10.4.11

المدارس النحوية فى الكوفة و البصرة

المدارس النحوية مصطلح يشير إلى اتجاهات ظهرت في دراسة النَّحو العربي، اختلفت في مناهجها في بعض المسائل النحوية الفرعيّة، وارتبط كل اتجاه منها بإقليم عربي مُعيّن، فكانت هناك مدرسة البصرة، ومدرسة الكوفة، ومدرسة بغداد وهكذا. ولم يكن لهذا الارتباط المكاني دلالة علميّة خاصة. ويرى بعض الباحثين أن القدماء لم يطلقوا على مسائل الخلاف في النحو القديم كلمة مدرسة، فلم يؤثر عنهم مصطلح المدرسة البصرية، ولا مصطلح المدرسة الكوفية ولا مدرسة بغداد ولكننا نقرأ من قولهم: مذهب البصريين، ومذهب الكوفيين، ومذهب البغداديين، وربما ورد في قولهم: مذهب الأخفش، ومذهب الفراء، ومذهب سيبويه وغير ذلك. غير أن المعاصرين استحسنوا لفظ المدرسة فاستعاروها في مادة الخلاف النحوي، كما استعاروها في مسائل أدبية أخرى، فأطلقوا على بناء القصيدة عند أوس بن حجر ـ على سبيل المثال ـ بناءً خاصًا يختلف عما عند غيره من الجاهليين ـ واستمرأ هذا النهج في الاصطلاح بعض الباحثين، فكانت مدرسة الديوان، وهكذا قيل عن الأدب في المهجر، على الرغم من الخلاف الكبير بين أدباء المهجر في منازعهم الفكرية.

ولعل من هذا ماذهب إليه الباحثون المعاصرون في تاريخ النحو والنحاة، فأثبتوا مصطلح المدرسة في نحو البصريين، ومثله مدرسة الكوفة، ومدرسة بغداد أو غير ذلك. غير أنك حين تنظر في التراث النحوي لاتجد جمهرة النحاة ـ بصريين وكوفيين وغيرهم ـ قد اختلفوا في أصول هذا العلم، ولم ينطلق هؤلاء من أفكار متعارضة، ولكنهم قد اختلفوا في مسائل فرعية تتصل بالتعليل والتأويل، فكان لهؤلاء طريقة أو مذهب، ولأولئك طريقة أو مذهب آخر، وقد يكون الاختلاف بين بصري وبصري كما كان بين كوفي وكوفي آخر، ولا تعدم أن تجد بصريَّا قد وافق الكوفيين، وكذلك العكس.

أما كلمة مذهب فترد كثيرًا في الكلام عن الخلاف النحوي، فيقولون، مذهب البصريين كما قالوا: مذهب الكوفيين، ومذهب البغداديين، وقد تطلق كلمة مذهب على الطريقة التي سار عليها أحد النحاة فقالوا: مذهب سيبويه كذا، أو قولهم: مذهب الأخفش والفرَّاء كذا.

والمتصفح لكتب التراث التي تعرضت للبحث في تاريخ النحو والنحاة، يلحظ خلوّها من مصطلح المدرسة ولكنه يجد أخبارًا مجموعة لعلماء كل عصر على حدة، ففي الفهرست لابن النديم مثلاً نجد بابًا يفرد للكلام في النحو وأخبار النحويين واللغويين من البصريين، وبابًا آخر لأخبار النحويين واللغويين الكوفيين، ثم باباً ثالثًا لأخبار جماعة من علماء النحو واللغويين ممن خلط المذهبين، وقد عرف هؤلاء الأخيرون عند الدارسين بالبغداديين. على أن أبا سعيد السيرافي أفرد كتابًا لأخبار النحويين البصريين بدءًا بأبي الأسود الدؤلي، وانتهاء بأبي بكر محمد بن السري المعروف بابن السراج، وأبي بكر محمد بن علي المعروف بمبرمان اللذين أخذ السيرافي عنهما النحو، وعليهما قرأ كتاب سيبويه، ونص على أن في طبقة أستاذيه هذين ممن خلط علم البصريين بعلم الكوفيين، أبو بكر بن شقير، وأبو بكر بن الخياط.

وعندما ألّف أبو الطيب عبـدالواحد بن علي اللغوي (ت351هـ) كتابه في مراتب النحويين، عرض لعلماء الأمصار الثلاثة ممن اشتغلوا باللغة والنحو، بدءًا من أبي الأسود، ومن أخذ عنه، وبعض اللغويين والنحويين من البصريين، دون أن يعقد لذلك عنوانًا، حتى إذا فرغ من البصريين عقد بابًا لـعلماء الكوفة، لكن الناظر فيمن سلكهم ضمن الكوفيين يرى بعض العلماء البصريين يسلكون خلال هذه المجموعة، وعلى سبيل المثال ترى الجرمي وأبا عثمان المازني وأبا العباس المبرد، ولعله لم يُرد ذلك، فعقد بعد ذلك بابًا لعلماء الكوفة بعد الكسائي، حتى إذا فرغ من ذكرهم خصص الباب الأخير لعلماء بغداد.

أما الزبيدي، فقد وضع النحويين واللغويين في طبقات، فابتدأها بطبقات النحويين البصريين، وصنفهم إلى عشر طبقات، وانتقل بعدها إلى طبقات النحويين الكوفيين فكانوا ست طبقات، ثم عاد للغويي البصرة فكانوا سبع طبقات، فلغويي الكوفة وهم خمس طبقات، بعد ذلك خصص أبواباً لطبقات النحويين واللغويين المصريين، فالنحويين واللغويين القرويين، ثم النحويين واللغويين الأندلسيين.

وعلى كل حال، فقد شاع بين المحدثين استقلال كل مصر من هذه الأمصار بمذهب شاع بين علمائها ونحاتها، وألفّت الكتب في هذا التواطؤ، فهناك كتاب عن مدرسة الكوفة وآخر عن مدرسة البصرة النحوية، وصنف الدكتور شوقي ضيف كتابًا في المدارس النحوية أجمل فيه الجهود الخصبة لكل مدرسة، وكل شخصية نابهة فيها، فابتدأه بالمدرسة البصرية؛ لأنها هي التي وضعت أصول النحو وقواعده، وكل مدرسة سواها فإنما هي فرع لها، وثمرة تالية من ثمارها، وذهب إلى أن الخليل بن أحمد الفراهيدي هو المؤسس الحقيقي لمدرسة البصرة النحوية، ولعلم النحو العربي بمعناه الدقيق، ثم تلاه سيبويه فالأخفش الذي أقرأ النحو لتلاميذ من البصرة والكوفة، ثم جاء بعده المازني، فتلميذه المبرِّد وهو آخر أئمة المدرسة البصرية النابهين.

أما نشاط مدرسة الكوفة فبدأ متأخرًا عند الكسائي الذي استطاع هو وتلميذه الفراء أن يستحدثا في الكوفة مدرسة نحوية تستقل بطوابع خاصة من حيث الاتساع في الرواية، وبسط القياس وقبضه، ووضع بعض المصطلحات الجديدة، والتوسع في تخطئة بعض العرب، وإنكار بعض القراءات الشاذة.

أما المدرسة البغدادية فقد قامت على الانتخاب من آراء المدرستين (البصرية و الكوفية) مع فتح الأبواب للاجتهاد، والوصول إلى الآراء المبتكرة. ولم يتخلص علماء هذه المدرسة من نزعتهم إلى إحدى المدرستين السابقتين، أو ميلهم إلى مناهجها أكثر من ميلهم إلى المذاهب الأخرى، أو إلى الاستقلال عنهما.

ثم ظهرت بعد ذلك المدرسة الأندلسية بدءًا من القرن الخامس الهجري، ومثلها المدرسة المصرية، إلا أن علماءهما لم يكونوا إلا تابعين لعلماء البصرة أو الكوفة أو بغداد، ولم يتجاوزوا الاجتهاد في الفروع.

http://www.startimes.com/f.aspx?t=27493012

Tidak ada komentar: